يوسف بن عبد الله النمري القرطبي ( ابن عبد البر )
158
بهجة المجالس وأنس المجالس
معهم حتى قدمت على أهلي . قال أسلم : فلما قدم عمر بن الخطاب الشام أتاه ذلك الراهب في خلافته ، وهو صاحب دير العدس بذلك الكتاب ، فلما قرأه عمر عرفه ، فقال له الراهب : ف لي بشرطى ، فقال له عمر : جاء أمر غير ذلك ، جاء ما ليس لعمر ولا لأبى عمر فيه شيء ، فاستشار فيه عمر المسلمين ، فقالوا : نرى أن تفي له يا أمير المؤمنين ، قال عمر : هل عندك للمسلمين منفعة ؟ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، قال : فأنشأ عمر يحدثنا حديثه حتى أتى على آخره ، ثم قال عمر للراهب : إن أضفتم المسلمين ، وأرشدتموهم الطريق ، وهديتم الضالّ ، ومرّضتم المرضى ممن يمرّ بكم من المسلمين فعلنا ، قال : نعم يا أمير المؤمنين نفعل . قال : فوفى له عمر . روى عن عبد اللّه بن عمرو بن العاص ، عن أبيه ، قال : خرجت في الجاهلية بتجارة إلى الشام فنزلت في بعض الطريق لقضاء حاجة ، وتقدمتنى القافلة ، فإنّى لكذلك إذ أقبل إلىّ راهب على أتان له قد خرج في بعض الزيارات يريد فلسطين وهو يذهب عطشا ، وكان يوما صائفا ، فسلّم على واستسقانى ماء . ولم يكن معي غير فضلة في إداوة معلّقة على كفل الفرس ، فآثرته بها ، وتبيّن له ذلك ، فشكر لي فعلى ، وشكا تعبا لحقه ، وأنّه يريد النزول والراحة قليلا ، وهو خائف من الوحدة وفساد الطريق ، وكأنّه أراد الأنس بي . فقلت له : انزل فإنّى أونسك ولا أتركك . وكنت عارفا بالطريق ، فعرجنا إلى ظلّ شجرة أرز فعرّسنا « 1 » تحتها ، وقلت : أعينه ، ثم ألحق القافلة بعد تعريسها بساعة ، وكان له غلام ورحل قد تأخرا عنه ، فكان مع ذلك ينتظر ، فلما نزلنا استلقى على جنبه ونام ، وركبت فرسى
--> ( 1 ) عرس المسافر : نزل آخر الليل للراحة .